أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

105

العقد الفريد

أكمل الخير ، معي وجه صبيح ، يعدل الدنيا بما فيها ، وقد حصل على ضيقة وعسر ! فقال : قد شكوت ما كدت أباديك بشكواه ! ائت بها . فلما دخلت قال : واللَّه لا أملك غير هذا المنديل ! فقلت : هو البغية فناولنيه . فقال : خذه لا بارك اللَّه لك فيه ! فأخذته ، فبعته بدينار وكسر ، فاشتريت لحما وخبزا ونبيذا ، وصرت إليه : فإذا هما يتساقطان حديثا كأنه قطع الروض المعطور ؛ قال : ما صنعت ؟ فأخبرته ؛ قال : كيف يصلح طعام وشراب وجلوس مع وجه نظيف بلا نقل ولا ريحان ولا طيب ؟ اذهب فالطف لتمام ما كنت أوّله . قال : فخرجت فاضطربت في ذلك حتى اتيت به ، فألفيت باب الدار مفتوحا ، فدخلت ؛ فإذا لا يرى لهما ولا لشيء مما أتيت به أثر ، فسقط « 1 » في يدي ، وقلت : أرى صاحب الربع أخذهما ! فبقيت متلهفا حائرا ، أرجم الظنون وأجيل الفكر سائر يومي ؛ فلما أمسيت قلت في نفسي : أفلا أدور في البيت لعل الطلب يوقفني على أثر ؟ ففعلت ، فوقفت على باب سرداب له ، وإذا هما قد هبطا فيه ، وأنزلا معهما جميع ما يحتاجان إليه ، فأكلا وشربا وتنعّما ؛ فلما أحسستهما دليت رأسي ثم ناديت : مسلم ! ويلك ! فلم يجبني ، حتى ناديت ثلاثا ؛ فكان من إجابته لي أن غرّد بصوت يقول فيه : بتّ في درعها وبات رفيقي * جنب القلب طاهر الأطراف « 2 » ثم قال : دعبل ، ويلك ! من يقول هذا ؟ قلت : من له من حر امّه ألف قرن * قد أنافت على علوّ مناف « 3 » قال : فضحك ، ثم سكتا ، واستجلبت كلامهما فلم يجيباني ، وأخذا في لذتهما ، وبتّ بليلة يقصر عمر الدهر عن ساعة منها طولا وغما ! حتى إذا أصبحت ولم أكد ، خرج إليّ مسلم ، فجعلت أؤنبه ، فقال لي : يا صفيق الوجه ! منزلي ، ومنديلي ، وطعامي ، وشرابي ؛ فما شأنك في الوسط ؟ قلت له : حقّ القيادة والفضول واللَّه لا غير ! فولى

--> ( 1 ) سقط في يده : ندم وتحير . ( 2 ) الدرع : قميص المرأة . ( 3 ) المناف : المرتقى .